23 نوفمبر 2008

والرجال ايضا .. النساء لسن وحدهن ضحايا المجتمع الذكورى

ارتكزت الكثير من الدراسات النسوية ودراسات النوع الاجتماعى حول ما خلفه النظام الابوى فى المجتمعات الشرقية من موروثات سلبية وممارسات قمعية وترسيخ متعمد لاشكال من العنف والتمييز ضد النساء على مدار قرون طويلة من القهر الذكورى للاناث ، الا ان معظم هذه الدراسات قد تجاهلت او انها لم تكن تعنيها –على الجانب الاخر – تلك الاثار العميقة التى راكمها النسق الذكورى فى وجدان الرجال انفسهم وتحكم بها فى مقدراتهم ، ذلك النسق الذى حمل الرجال باعباء ومسئوليات وطالبهم بالتزامات تفوق طاقاتهم وامكاناتهم الحقيقية وتتناسى طبيعتهم الاولى بكونهم بشر .ففى كتابه "اصل العائلة" يؤكد فردريك انجلز ان المجتمعات الاولى على وجه الارض كانت مجتمعات امومية ( مطريركية ) وكانت المراة وخاصة الام مصدر السلطات ينتمى اليها الابناء وهى بهم تتحكم فى اكثر الموارد اهمية الا وهى الموارد البشرية ، وبعد اكتشاف الزراعة وظهور الاسرة الاحادية تحولت المجتمعات الى الابوية ( البطريركية ) ومن هذا التحول قررت المجتمعات الابوية ان تحافظ على هذه السلطة وجاهدت بكل السبل حتى يظل المجتمع الذكورى سائدا .وقد ادى هذا الهلع بالسلطة الابوية الى السعى نحو توجيه الممارسات القمعية ضد النساء والرجال معا فاما عن النساء فقد ازداد التوحش فى قتلهن واذلالهن وفى مسخ عقولهن وقصر ادوارهن فى الرعاية المنزلية والمتعة الجسدية ، واما عن الرجال فقد سعى المجتمع الذكورى الى ترسيخ رؤى جديدة حول مفهوم الذكورة وما يجب ان تكون عليه الذكورة او حول مفهوم الذكورة ومفهوم الرجولة ، وحدد شروطا قطعية للذكر لكى يصير رجلا فكان عليه ان يحارب ويقاتل وان يخرج للصحراء ويواجه الوحوش وان ياخذ بالثار وينتقم للشرف حتى يدخل الى عالم الرجال ، وكان عليه ان يتعود منذ الصغر على ان يلعب بالمسدس او البندقية ( علشان دى العاب الولاد )وان يشاهد مباريات كرة القدم وافلام الحركة والعنف وان ينام وحيدا فى غرفته ( علشان الولد ما بيخافش ) وان يمتنع عن البكاء ( علشان الولد ما بيعيطش )ثم كان عليه ان يتحمل مسئوليات تكاد لا تكون منطقية او مفهومة فيكون مكلفا اذا خرج مع اخته – حتى وان كانت تكبره – ان يتولى حمايتها واذا اخطات هذه الاخت فانه يعاقب بدلا منها فقط لانه هو الولد ، ثم يكون مسئولا عن حماية اسرته بالكامل فى حالة غياب والده وكثيرا ما نرى هذا المشهد المضحك والاب يستعد للسفر مخاطبا ابنه الذى لم يتجاوز عامه الثامن قائلا " انا سايبك هنا مكانى وعايزك تبقى راجل البيت فى غيابى " يرددها الاب وهو يضحك تاركا وراؤه طفلا صغيرا حائرا لا يعرف معنى راجل البيت ولا كيف يمكنه ان يكون هذا الرجل ، وتوجد فى القبائل الهندية والافريقية امثلة تفوق الخيال من الاختبارات المميتة التى يضطر لخوضها الذكور- متضمنة القوة العضلية والقدرات الجنسية - حتى يثبتوا انهم رجالا .الرجال ايضا ضحايا للسلطة الذكورية التى وجهت طاقتها من اجل صنع الرجل الذى يفترض فيه ان يكون ميت القلب متحجر العقل متجمد المشاعر وينتظر منه ان يتخلى عن طبيعته الانسانية وعن طفولته الحالمة وان يتنازل عن قناعاته الداخلية وعن طموحاته الشخصية من اجل ان يحقق الصورة التى يتمناها منه المجتمع والتى شكلتها الموروثات الاجتماعية والمؤسسات العسكرية والاجهزة الاعلامية ومن اجل ان يصبح ذلك الكائن الخارق ويكون جديرا بان يحصل على الهدية الكبرى والجائزة الذهبية " السلطة الذكورية " !!!!
قراءات مقترحة فى الموضوع :-1- الرجولة المتخيلة : الهوية الذكرية والثقافة فى الشرق الاوسط الحديث تاليف : مى غصوب 2- الرجولة وايديولوجيا الرجولة فى الرواية العربية تاليف : جورج طرابيشى

لسنا رحالا ولن نكون



منذ ان ارتفعت اصوات الحركات النسائية فى مصر وازداد الوعى النسوى بحقوق النساء ومنذ ان بدان اقتحام مجالات جديدة من العمل لم تكن متاحة لهن من قبل ، ونحن لا نرى او نسمع سوى تلك الرؤية الضيقة والعقيمة - والتى بادرت بها النساء مع الرجال- عن اهداف هذه الحركات والتى تتمثل فى : " هوه انتوا عايزين الست تبقى زى الراجل ؟!!! لالالالا الست حاجة والراجل حاجة تانية " او " هو انتوا فاكرين نفسكوا كده هتبقوا رجالة ؟!! " والحقيقة ان هذه الرؤى مغلوطة تماما لان النساء لا يمكن ان يصبحن رجالا – الا بالتدخل الجراحى – بل انهن لا يسعين لان يصبحن رجالا وليس هذا لضعفهن ، ولكنه ببساطة لان الرجولة او الذكورة فى حد ذاتها ليست هى النموذج المثالى الذى من شانه ان يضفى على الانسان صفة الكمال ولان الرجل ليس كائنا خارقا او مثيرا لهذه الدرجة التى تتمنى معها النساء التخلى عن انوثتهن من اجل ان يصرن مثله .ان المساواة التى طالبت بها النساء لسنوات طوال لم تكن تبغى من وراءها ان تصبح النساء رجالا، ولكنها كانت تعنى العدالة كانت تعنى ان تتساوى النساء والرجال فى الحقوق والواجبات فى الثواب والعقاب فى تكافؤ الفرص وفى تطبيق القوانين ، فلطالما عانت النساء من التمييز ضدهن ولطالما تكبلن اعباءا لا يطيق احتمالها الرجال ولطالما واجهن الجهل والفقر والمرض والقمع المجتمعى وحينما افقن من غيبهن ووجدن سبيلا للخلاص حاربته وشوهته السلطة الابوية وحاولت توجيهه الى المستحيل الى الهلاك الى حيث لا خلاص وبدلا من ان تتحقق النساء وتنجح بذواتهن وبكونهن بشرا ونساءا اجتمعت كل العوامل المحيطة بهن لترسخ لديهن الاحساس بالدونية ولتجعل امامهن الرجال كائنات مثالية وان رغبت النساء فى ان ترتقى فلا سبيل لهن سوى ان يصبحن رجالا ، وبدلا من ان تشعرن ان المساواة قد خففت اعبائهن المتراكمة عبر التاريخ وجدنها – بعد التشويه المتعمد – تحنى ظهورهن باعباء جديدة !!!!فهل من احد يجيبنى لماذا لا تتوقف السلطات الابوية عن تشويه حياتنا ، لماذا لا تتوقف عن العبث بالاديان والشرائع وتفسيرها وتطبيقها بما يخدم مصالحها ، لماذا لا تتوقف عن التشكيك فى الحقائق وطمث القيم ، لماذا لا تتركنا السلطة الابوية نجرب ونخطئ لعلنا نتعلم بدلا من ان تمارس علينا سياسة القمع بحجة انها تحمينا ؟!!