25 مايو 2008

لماذا ندفن راسنا فى التراب







قضية راى عام
لماذا ندفن راسنا فى التراب

اجتاحتنى الفرحة وانهمرت دموعى واهتزت كل مشاعرى وانا استمع الى ما استقرت اليه هيئة المحكمة بتوقيع عقوبة الاعدام شنقا على المغتصبين الثلاثة ،كنت انتظر هذا الحكم لكى يوقف النزيف الذى سال بداخلنا جميعا من جراء تلك الفعلة المنحطة التى هزت قلوبنا والتى للاسف قد اصبحت واقعا مريرا فى مجتمعنا ،واخذت احييى رئيس المحكمة وهو يلقى علينا حيثيات الحكم وكانه لا يحكم حكما تقليديا فى قضية عادية ، وانما يقتص لكرامة وطن تم اغتصابه من قبل ابنائه ويرد اعتبار كل انثى تعرضت لمثل تلك الجريمة الشنعاء 0
لقد جاء هذا الحكم بالقصاص العادل والنهاية المرجوة منذ اطل علينا مسلسل قضية راى عام والذى عرض فى شهر رمضان ، حاملا الينا ما لانريد ان نسمعه او نراه ، ولكنه موجود حولنا فى كل مكان ، ولذا فقد واجه المسلسل عدة انتقادات غير متوقعة منذ بدايات العرض مما صدمنى حقا ، حيث وجه المجلس القومى للمراة نقدا للمسلسل اعتراضا على عرض مشهد الاغتصاب كاملا على قناة دبى بينما تم حذف تفاصيل المشهد عند اذاعة الحلقة على باقى القنوات ، وقد اعتمدت المتحدثة باسم المجلس فى نقدها على عدة نقاط وهى :
- ان مشهد الاغتصاب قد تمت اطالته وعرضه كاملا دون حذف مما صدم المشاهدين واثار فزعهم وخاصة النساء العاملات حيث ان الضحايا الثلاثة فى المسلسل قد خرجن لتادية عملهن حين تم اختطافهن واغتصابهن.
- ان المسلسل يسىء الى سمعة مصر وعرض القضية بهذه الصورة الفجة من شانه ان يؤثر على السياحة فى بلدنا( مع ملاحظة ان مخرج المسلسل اردنى الجنسية )
- ان المسلسل يبالغ كثيرا فى النماذج التى قدمها وان شبابنا لازالوا بخير والصورة ليست معتمة كما صورها المسلسل .

والسؤال هنا : هل المشكلة فى عرض المشهد او حذفه ام فى ان هذا المشهد يعبر عن حادثة واقعية تحدث كل يوم وتتحول فيها الضحية الى جانى ومتهم ؟ وما هى بشاعة مشاهدة تلك اللقطات اذا ماوقورنت بمشاعر انسانة تتعرض لمثل هذه الجريمة ثم تتعرض لكل هذا الظلم المترتب عليها !!! ؟ وهل لنا ان ننكر ان شبابنا ليسوا جميعا بخير وان ازدياد اعداد العاطلين ومتعاطى المخدرات تتسبب يوميا فى ارتفاع معدلات الجريمة بشتى صورها ؟!!

الحقيقة انه لا يستطيع اى منا ان ينكر صعوبة ما شاهدناه فى جريمة الاغتصاب التى تعرض لها المسلسل ، ولكن لماذا نعترض وننكر ونهاجم اذا ما تعرض الاعلام لمشكلة واقعية فى مجتمعنا ولا نرى سوى انها صدمت المشاهد ، وننسى او نتناسى ان مثل هذه الجرائم تدمر حياة بشر مثلنا واننا لا ينبغى ان نهرب من الحقيقة مهما كانت مؤلمة لان هروبنا لايضع لها حلولا جذرية بل يجعلها تتمدد وتتفشى فى المجتمع .
وانا اتصور ان المخرج لم يكن هدفه هو صدم المشاهد بقدر ماكان هدفه هو استثارة مشاعره وتعاطفه مع هؤلاء الضحايا ولكى يشعر كل رجل قبل ان يقدم على تلك الافعال المشينة ان هذه المراة قد تكون امه او اخته او زوجته او ابنته او حتى هو نفسه لان الاغتصاب فكرة اكثر من كونه فعل والرجال مثل النساء معرضون لتلك الجريمة ، ولذا فينبغى ان نتعلم كيف نضع انفسنا مكان الاخر وان نتخيل ما هى الالام التى سنعانيها اذا ماكنا نحن الضحية لكى نفكر الف مرة قبل ايلامه ،كما ينبغى ان يكون العقاب رادعا للجانى مهما بلغ عمره او كانت ظروفه ،والاهم هو ان لا نخشى من احد لان تفريطنا فى الحق واستهاتنا بالتبليغ يقوى هؤلاء السفاحين ،وهذا ما رمى اليه المسلسل محاولا تغيير النمط التقليدى للتعامل مع تلك القضايا ومركزا على ان شجاعة الضحية ورعاية المحيطين بها وثقتهم فيها وفى العدالة هما السبيل الحقيقى ،حتى نستطيع الحد من تلك المهانة التى تتعرض لها النساء بشكل واضح بدءا من التحرش وهتك العرض وحتى الاغتصاب .

وفى نهاية حديثى اتمنى فعلا ان ننفض عن عقولنا تلك الافكار القديمة الخاطئة والتى تعتبر الضحية هى الجانى او انها لابد ان توارى سؤتها وتلك المقولة المختلة التى تنادى الاعلام " بعدم نشر الغسيل الوسخ قدام الناس " فلنواجه الواقع ولا ندفن رؤوسنا فى التراب لانه اذا ماكانت تلك الجرائم ترتكب فى السر والعلانية فمن الاولى مواجهتها وردعها فى الملاء والعلانية .